محمد بن جرير الطبري
55
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الكتاب بالحق ؛ لأَنا قد أخبرنا في الكتاب أن ذلك لهم والكتاب حق . كأن قائلي هذا القول كان تأويل الآية عندهم ذلك العذاب الذي قال الله تعالى ذكره : فما أصبرهم عليه ، معلوم أنه لهم ، لأَن الله قد أخبر في مواضع من تنزيله أن النار للكافرين ، وتنزيله حق ، فالخبر عن ذلك عندهم مضمر . وقال آخرون : معنى ذلك أن الله وصف أهل النار فقال : فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ثم قال : هذا العذاب بكفرهم ، و " هذا " هاهنا عندهم هي التي يجوز مكانها " ذلك " كأنه قال : فعلنا ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق فكفروا به ، قال : فيكون " ذلك " إذا كان ذلك معناه نصبا ويكون رفعا بالباء وأولى الأَقوال بتأويل الآية عندي : أن الله تعالى ذكره أشار بقوله ذلك إلى جميع ما حواه قوله : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ إلى قوله : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ من خبره عن أفعال أحبار اليهود وذكره ما أعد لهم تعالى ذكره من العقاب على ذلك ، فقال : هذا الذي فعلته هؤلاء الأَحبار من اليهود بكتمانهم الناس ما كتموا من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته مع علمهم به طلبا منهم لعرض من الدنيا خسيس ، وبخلافهم أمري وطاعتي وذلك من تركي تطهيرهم وتزكيتهم وتكليمهم ، وإعدادي لهم العذاب الأَليم بأني أنزلت كتابي بالحق فكفروا به واختلفوا فيه . فيكون في " ذلك " حينئذ وجهان من الإِعراب : رفع ونصب ، والرفع بالباء ، والنصب بمعنى : فعلت ذلك بأني أنزلت كتابي بالحق فكفروا به واختلفوا فيه وترك ذكر : " فكفروا به واختلفوا " اجتزاء بدلالة ما ذكر من الكلام عليه . وأما قوله : وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ يعني بذلك اليهود والنصارى ، اختلفوا في كتاب الله ؛ فكفرت اليهود بما قص الله فيه من قصص عيسى ابن مريم وأمه ، وصدقت النصارى ببعض ذلك وكفروا ببعضه ، وكفروا جميعا بما أنزل الله فيه من الأَمر بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم . فقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : إن هؤلاء الذين اختلفوا فيما أنزلت إليك يا محمد لفي منازعة ومفارقة للحق بعيدة من الرشد والصواب ، كما قال الله تعالى ذكره : فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ كما : حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ يقول : هم اليهود والنصارى . يقول : هم في عداوة بعيدة . وقد بينت معنى الشقاق فيما مضى . القول في تأويل قوله تعالى : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ذلك ، فقال بعضهم : معنى ذلك : ليس البر الصلاة وحدها ، ولكن البر الخصال التي أبينها لكم . حدثني محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ يعني الصلاة . يقول : ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا ، فهذا منذ تحول من مكة إلى المدينة ، ونزلت الفرائض ، وحد الحدود ، فأمر الله بالفرائض والعمل بها . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ ما ثبت في القلوب من طاعة الله . حدثني القاسم ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثني القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن ابن عباس ، قال : هذه الآية نزلت بالمدينة : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ يعني الصلاة ، يقول : ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك . قال ابن جريج وقال مجاهد : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ يعني السجود ؛ وَلكِنَّ الْبِرَّ ما ثبت في القلب من طاعة الله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو تميلة ، عن عبيد بن سليمان ، عن الضحاك بن مزاحم أنه قال فيها ، قال يقول : ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك . وهذا حين تحول من مكة إلى المدينة ، فأنزل الله الفرائض وحد الحدود بالمدينة وأمر بالفرائض أن يؤخذ بها . وقال آخرون : عنى الله بذلك اليهود والنصارى ، وذلك أن اليهود تصلي فتوجه قبل المغرب ، والنصارى تصلي فتوجه قبل المشرق ، فأنزل الله فيهم هذه الآية يخبرهم فيها أن البر غير العمل الذي يعملونه ولكنه ما بيناه في هذه الآية ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر عن قتادة ، قال : كانت اليهود تصلي قبل المغرب ،